ابراهيم بن عمر البقاعي
344
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه على الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الأعراف : 176 ] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ [ هود : 102 ] الآية ، وقال تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ - إلى قوله : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [ هود : 109 ] وتكررت الآي إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه وآي الأعراف في تلطف الاستدعاء ، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ إلى حِينٍ - إلى قوله : لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : 54 ] ثم قال : وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [ المؤمنون : 64 ] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى قوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] وقوله تعالى بعد : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [ المؤمنون : 117 ] ولم يبين هذه الآي ، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود ، وقال في آخر قصص الظلة : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 192 ] إلى قوله خاتمة السورة : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم ، وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة المذكورة ، ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير تلويح ولا تعريض ، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ * وفيه تهديد ووعيد ، وقال تعالى في آخر والصافات : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الصافات : 149 ] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع ، ثم نزه نبيه سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم ، بقوله : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 180 ] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في سورة القمر : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تغني النُّذُرُ ، ثم قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ولم يقع أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق ، وأول أمره بذلك صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة السجدة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ثم في سورة والذريات فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة بقوله : وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مذكرو قوله : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ثم صرف إليهم بما تقدم قوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ فبلغ ذلك أعظم